فصل: باب: ما جاءَ في زَمْزَم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فيض الباري شرح صحيح البخاري ***


باب‏:‏ الرَّمَلِ في الحَجِّ وَالعُمْرَة

وعن ابن عباس أنه كان مصلحةٌ، وليس بسنة‏.‏ وعند الجمهور سنةٌ في الجوانب الأربعة، كما ثبت في حجة الوداع، فكان تشريعًا لا مصلحةً فقط، وإن كان في عُمرة القضاء مصلحة، فاعلمه‏.‏ وقال الحنفية‏:‏ كل طواف بعده سَعيٌ، ففيه رَمَلٌ‏.‏ وإلا لا، فإنْ سعى القَارِنُ سعيَ الحج بعد طواف القدوم، لا يَرْمُل في الزيارة، وإن سعاه بعد الزيارة يرمل فيها‏.‏ وأما المتمتِّعُ، فلمَّا لم يكن له طواف القدوم يَسعى بعد الزيارة لحجه، ويَرْمُل فيه، وإنْ أرادَ أنْ يقدِّم السعي، فله أنْ يطوفَ نفلا، ثم يطوفُ بين الصفا والمروة، ثم يطوف للزيارة، وحينئذٍ لا يسعى بعدها لأدَائه بعد طوافِ النفل‏.‏

باب‏:‏ اسْتِلامِ الرُّكْنِ بِالمِحْجَن

والطوافُ المذكور فيه هو طوافُه للزيارة، لا للقُدُوم، لأنَّه لم يَرْمُل فيه‏.‏

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يَسْتَلِمْ إِلا الرُّكْنَينِ اليَمانِيَين

باب‏:‏ تَقْبِيلِ الحَجَر

باب‏:‏ مَنْ أَشَارَ إِلَى الرُّكْنِ إِذَا أَتَى عَلَيه

باب‏:‏ التَّكْبِيرِ عِنْدَ الرُّكْن

هكذا مذهبُ محمد رحمه الله تعالى‏.‏

باب‏:‏ مَنْ طَافَ بِالبَيتِ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى بَيتِهِ،ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَينِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الصَّفَا

1614- قوله‏:‏ ‏(‏ذكرت لعروة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وفي لفظ الحديث اختصارٌ مخِلٌ، توجه إليه الشارحون‏.‏ وحاصله‏:‏ التعريضُ بمذهب ابن عباس، وكان مذهبُه أنَّ الحاج إذا وقعَ بصرُه على البيت انفسخ إحرامُه للحج من غير اختيارٍ منه، فإنْ بَدَا له أن يحجَّ فقط، فعليه أن لا يشاهدَ البيت، ويذهبُ كما هو إلى عرفاتٍ، فيقِفُ بها‏.‏

1614- قوله‏:‏ ‏(‏فأخبرتني عائشة‏)‏، قلتُ‏:‏ وهذا لا يردُ عليه، لأنَّ كلامَه في المفرد، وهذا للقَارِن‏.‏ فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان قارنًا، ولكن السَّلفَ لم يكونوا يتعمقون هذا التعمق‏.‏ وكان من دأْبهم أنهم إذا وجدوا فعلا في الباب عن النبي صلى الله عليه وسلّم أتوا به، وإن غاير يسيرًا‏.‏

1614- قوله‏:‏ ‏(‏ثم لم تكن عمرة‏)‏ أي مُتميِّزة عن الحج‏.‏ وقد مرّ مني التنبيهُ على أنَّ الرواة يعتبرونها عند تميُّزِها من الحج، والحِل بعدها‏.‏

1614- قوله‏:‏ ‏(‏فلما مسحوا الركن حلوا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، ولا دَخْل لهذه القطعة في رد ابن عباس، إنما ذكرها استطرادًا‏.‏ ثم ههنا إشكالٌ، بأن الحِلَّ لا يكون بعد المسح، بل بعد السعي‏.‏ وأجاب عنه الجمهور أنَّ المعطوفَ محذوفٌ، أي مسحوا الركن وسعوا‏.‏ قلتُ‏:‏ مسحُ الركنِ كنايةٌ عن الفَرَاغ، كما يدل عليه قوله‏:‏

ولما قضينا من منى كل حاجة *** ومسح بالأركان من هو ماسح

وشدت على دهم المهارى رحالنا *** ولم ينظر الغادي الذي هو رائح

أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا *** وسالت بأعناق المطي الأباطح

باب‏:‏ طَوَافِ النِّسَاءِ مَعَ الرجال

يعني لم يكن بين طوافِ الرجال والنساء امتيازٌ باعتبار الوقت، بل كان باعتبار المكان، فكان الرجال يطوفونَ بالبيت قريبًا منه، وكانت النساء يطفن مِنْ حولهم‏.‏ وإذن دائرتُهنَّ تكون أوسع‏.‏

1618- قوله‏:‏ ‏(‏رأيت عليها درعًا موردًا‏)‏ أي وقعَ بصري عليها اتفاقًا، فرأيتها كذلك‏.‏ وفي كتب الطحاوي أنَّ حجابَ أمهاتِ المؤمنين بعد نزول الآية كان بالشخص، بخلاف العامة، فإنَّ النظرَ إلى الوجه والكفين يجوزُ فيهن بشرطِ الأمن‏.‏

باب‏:‏ الكَلامِ في الطَّوَاف

باب‏:‏ إِذَا رَأَى سَيرًا أَوْ شَيئًا يُكرَهُ في الطَّوَافِ قَطَعَه

أشار إلى حديث الترمذي‏:‏ أن الطواف بالبيت، وإنْ كان صلاةً، إلا أنَّ الكلامَ في خلاله جائز، وكذا الأفعالِ الأخر، كما أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم قطعَ خيطًا رَبَطَه إنسانٌ، وهو يطوف‏.‏

باب‏:‏ لا يَطُوفُ بِالبَيتِ عُرْيَانٌ، وَلا يَحُجُّ مُشْرِك

وسترُ العورة، وإنْ كان فرضًا في الخارج، إلا أنَّه في الحج من الوَاجبات، فهو من واجب الشيءِ مع كونه الشيءَ الواجب‏.‏

باب‏:‏ إِذَا وَقَفَ في الطَّوَاف

وهو مذهب أبي حنيفة، فلو أقيمت الصلاة خلالَ الطواف يتركه، ثم يَبْني، ويُتمُّ ما بقي، لأنَّ الصلاة ليست بأجنبية‏.‏ وكذا يجوزُ مرور الطائف أمام المصلي‏.‏

باب‏:‏ صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلّم لِسُبُوعِهِ رَكْعَتَين

وقال نافع‏:‏ كان ابن عمر يُصلي لكل سُبُوع ركعتين- يعني لم يكن يجمعُ بين الأطْوِفَة، ثم بركعتيها- ولكن كان يطوف، ثم يُصلي له، وكذلك يطوفُ آخر‏.‏ ويصلي له، فلم يكنْ يجمعُ بين ركعتيها مرةً واحدة‏.‏

1623- قوله‏:‏ ‏(‏سألنا ابن عمر‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ يُشير إلى مذهب ابن عباس، وصرح به جابر‏.‏

باب‏:‏ مَنْ لَمْ يَقْرُبِ الكَعْبَةَ، وَلَمْ يَطُف حَتَّى يَخْرُجَ إِلَى عَرَفَةَوَيَرْجِعَ بَعْدَ الطَّوَافِ الأَوَّل

وفيه تصريح أنَّه صلى الله عليه وسلّم طاف طوافين‏:‏ الأول عند القدوم، وهو عندنا للعمرة‏.‏ والثاني بعد عرفة‏.‏ ولم يثبت في تلك الأيام طوافُه للنفلِ إلا بالليل، كما عند البيهقي، وذلك لئلا تتشوَّشَ على الناس مناسِكُهم، فيختبطُوا فيها‏.‏

باب‏:‏ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَي الطَّوَافِ خَارِجًا مِنَ المَسْجِد

باب‏:‏ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ خَلفَ المَقَام

قال الحنفية‏:‏ إن الأفضلَ أنْ يُصليها عند المقام إن تيسر، وإلا ففي المسجد الحرام حيث شاء، وإلا ففي الحرم، فإنْ صلاها خارج المسجد أجزأه أيضًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وصلى عمر خارجًا من الحرم‏)‏ أي بذي طُوى‏.‏ وإنَّما فعلَ ذلك لأنَّه طافَ بعد الصبح وكان لا يرى النفلَ بعده مُطلقًا حتى تطلعَ الشمس، كما قلنا‏.‏ وقد بوّب عليه الطحاوي أيضًا‏.‏

1626- قوله‏:‏ ‏(‏فطوفي على بعيرك‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أي من وراء الناس‏.‏

1626- قوله‏:‏ ‏(‏فلم تصل حتى خرجت‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، لا أدري ماذا أراد به، خروجَها من الحرم، أو مكة، أو المسجد الحرام، ولو تعيَّنَ لنفعنا في مسألة الأوقات المكروهة، لكونها بين يدي النبيِّ صلى الله عليه وسلّم

باب‏:‏ الطَّوَافِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَالعَصْر

ونَقَل فيه آثارًا متعارضةً، ولعل المرجَّح عنده ما ذهب إليه عمر على ما أظن‏.‏ ثم إنه لم يزد لفظ «نحوه» ههنا، وزاد بعد العصر في باب المواقيت، لأنه لما ثَبَتَ عنده الركعتان بعد العصر عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم وإن اختلف الناس في تخريجها، أراد أن يُدرجَها في هذا اللفظ، بخلاف الصبح، فإنَّه لم يَعْبأ بما في السنن، وذهب إلى المنع مطلقًا، ولعل عائشة كانت تجوزها مع كراهتها إيَّاها‏.‏

ولا بُعْد أنْ يكون البخاري وافقنا في المسألة‏.‏ أما عُمر فأثَرُه موافقٌ لنا قطعًا، بخلاف أثر ابن عمر‏.‏ أما حديث عائشة، فلا حجةَ لنا فيه، فإنه راجعٌ إلى التشفيعِ على الصلاة في نفسِ الطلوع والغروب، وهذا مما لا نِزَاع فيه لأحد‏.‏

باب‏:‏ المَرِيضِ يَطُوفُ رَاكِبًا

واعلم أن المشي في الطواف واجبٌ عندنا، ولا جَزَاء إن تركه من عذر، غير أني أتردَّدُ في المسألة، كما قال صاحب «الهداية»- عند شرح قول القُدُوري‏:‏ ويلزمُه السهو إذا زاد في صلاته فعلا من جِنْسها، ليس منها ‏:‏ إن هذا يدل على أنَّ سجدةَ السهو واحبةٌ، وهو الصحيح، لأنَّها تجبُ لجبر نقصانٍ ممكنٍ في العبادة، فتكون واجبةً كالدِّماء في الحج، وإذا كان واجبًا لا يجبُ إلا ترك الواجب‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏ ففيه إيماءٌ إلى أنَّ النقصانَ يعتري في الحج بترك الواجب، ثم يجبَرُ بالدم، ولا تفصيل فيه بين عذر وعدمه، فعُلم أنه يجبُ الدم بترك واجبٍ من الحج مطلقًا‏.‏

هكذا يُستفاد من بعض الكتب، وعدَّد في «البدائع» ستةَ واجبات، ثم قال‏:‏ لا يلزم بتركها جِنَاية، فتردَّدت أنَّ حكمَ سائرِ الواجبات ذلك، أو هو مقصورٌ على تلك الستة، ولا ورودَ على الركوب في الطواف، فإنَّه من الستة التي صرح «البدائع» أنْ لا جِنَاية بتركها‏.‏ إما المصنف فحمله على المَرَضِ‏.‏

أما ترجمة المصنف، والحديث الذي أخرج لها ففيه كلامٌ، وهو أن حديثه في حَجَّة الوداع كما جاء مصرحًا عند أبي داود عن ابن عباس‏:‏ «أنه طاف في حجة الوداعِ على بعيرٍ يَستلمُ الركنَ بمِحْجَن»، وركوبه في تلك الحجة، لم يكن من أجل المرض، بل كان لأن يَرَاه الناس، وليسألوه عما هم سائلون، كما هو عند مسلم وحينئذٍ لا يُطابق الحديثُ الترجمة، فإنَّها في الركوب من أجل المرض، والحديث في الركوب لرؤية الناس، فاضطر الحافظ ههنا إلى الاستعانة من حديث أبي داود عن ابن عباس، بلفظ‏:‏ «قدم النبيُّ صلى الله عليه وسلّم مكة، وهو يشتكي، فطافَ على راحلته»‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ‏.‏

قلتُ‏:‏ وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، وفيه لِيْنٌ، ولذا لم يخرج عنه البخاري‏.‏ وهذا هو الراوي لحديث البراء في ترك رفع اليدين، وحديث القميص في كفنه صلى الله عليه وسلّم عند أبي داود، فلمَّا رأيتُ أنَّ ترجمة البخاري تتوقف على حديثه في الطواف راكبًا، قلتُ‏:‏ إنه لا يليقٌ بشأن المصنف، وحينئذٍ وَسِع لي أن أتمسك بحديثه في الترك أيضًا‏.‏بالجملة‏:‏ لمّا اضطر الحافظ إلى إثبات ترجمتِهِ تمسَّك من حديثه، وهذا هو الذي- لما رَوى الترك- تكلم عليه الحافظ، وجهر بضَعْفِه، حتى سمعه من قُربٍ ومن بُعدٍ، فهذا خبرهُم عند الوِفاق، وذلم مخْبِرهُم عند الخلاف‏.‏

باب‏:‏ سِقَايَةِ الحَاج

واعلم أنَّ خدمات الحج كانت موزعةً عليهم في الجاهلية، فكان مِفتاحُ البيت في بني شَيْبَة، وهو إلى اليوم كذلك، وكانت السِّقايَة في بني عبد المطلب، فلما ظهرَ الإِسلامَ وانطمست رسوم الجاهلية، تكفَّل بها العباس، وإن كانت حقًا لبني عبد المطلب في الجاهلية، فقام بها مدةَ عُمُرِه، ولذا كان يتعجَّلُ في أيام منى، فكان كذلك إلى زمن عليَ، فلما استُخلِفَ عليٌّ ادّعى السِّقَاية، وكان أحقَّ بها لكونه مُطَّلِبِيَّا، غير أن ابن عباس لما شهد بأنها كانت انتقلت إلى أبيه العباس، تركها في أيديهم، ولم ينازعهم‏.‏

ثم إن بني أميةَ بَنوا في زمنهم حوضًا آخر، وكانوا يجعلونَ فيه لبنًا وعسلا، طمعًا في أن يردَ الناسُ حوضهم، وتكون السِّقَاية لهم، غير أن الناس لزموا حوض ابن عباس، وآثرُوه على اللبن والعسل‏.‏

باب‏:‏ ما جاءَ في زَمْزَم

واعلم أنه قد علم العلماء وعلمت الأمة‏:‏ أنَّ ماءَ زمزم لما شُرِبَ له، فحفِظَه كلٌّ في زمن حجِّة، ودعا بما بلغت إليه أمنيَّتُه، فذكر الحافظ أنه دعا أنْ يُرزَق حفظَ الذهبي، فلما تَشرَّفَ من زيارة البيت ثانيًا، رأى أنَّ حفظَه قد فاق عليه‏.‏ وكذلك دعا السيوطي أنْ يرزقَ الحَذَاقَةَ في ستة فنون‏.‏ قلتُ‏:‏ وتلك الفنون تكون من فنون الدين، وإلا فالفنون العقلية، فإنَّه كان قائلا بعدم جوازها‏.‏ وهكذا الشيخ ابن الهُمَام، لمَّا بلَغَه دعا بأن يُرزقَ الاستقامة على الدين، والوفاة على السنة البيضاء، ويا له من دعاءٍ سبقَ الأدعية كلها‏.‏ أقول‏:‏ ولعل مراد الحافظ من زيادة الحفظِ على الذهبي في حق المتون، والعلل، أما في حقِّ الرجال، فلا أراه فَاق عليه‏.‏

ثم إن الشيخ ابن الهُمَام كما اقتفى الحافظَ في دعائه، كذلك اقتفاه في التصنيف أيضًا، حيث صنَّفَ في سفر الحج رسالةً في أحكام الصلاة سَمَّاها «زاد الفقير، وهي رسالة جيدة في أحكام الصلاة‏.‏ ولعله قد كان بلغه أنَّ الحافظ أيضًا صنف رسالة في سفره، سماها «نُخْبَة الفِكَر»‏.‏ ولعل الشيخ استجَازَ من الحافظ كتابته، ولا أراه أنْ يكونَ لقيه، وذلك لأنه نقلَ روايَتَه في «الفتح» عن الحافظ، وذكره‏:‏ عن لفظ شيخنا، فهذا يدل على تلمذةٍ، ولا أقلَّ من أنْ تكونَ كتابته، والله أعلم‏.‏

1636- قوله‏:‏ ‏(‏جبرائيل‏)‏ «إيل» بالعبريّة‏:‏ الله، و«الجبرة»‏:‏ القوّة، و«الميكاء»‏:‏ الماء، و«الإسراف»‏:‏ الصّوْر‏.‏ ذكر الشيخ الأكبر أن لله تعالى أسماءً إيلية، وإلهيّة‏:‏ والإبلية تُستعمل في الملائكة كجبرائيل، وغيره، والإلهية تُستعمل في سائر خلقه‏.‏

1636- قوله‏:‏ ‏(‏ممتلىء حكمة وإيمانًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وتلك كانت حقيقةُ الإِيمان على ما مر تحقيقها‏.‏ ولا ريب أنَّ تلك الحقيقة لا تذهبُ ذرةً منها، إلى جهنم‏.‏ والله تعالى أعلم بالصواب‏.‏

باب‏:‏ طَوَافِ القَارِن

باب‏:‏ الطَّوَافِ عَلَى وُضُوء

واعلم أنَّ القارن عندنا يطوفُ طوافين ويسعى سعيين، فإنَّه قد أحرم بإِحرامين، فيطوف لحجه، ويسعى له، وكذلك يطوف لعمرَتِهِ ويسعى لها‏.‏ غير أنَّ المعتمرَ يتحلَّلُ بعد الفراغ عن أفعال العمرة، وهذا يبقى حرامًا إلى يوم النحر لمكان إحرام الحج، وإن كان فرغ من أفعال العمرة‏.‏ ولا فرق بعدها بينه وبين المفرد عندنا أيضًا، فيطوف للزيارة طوافًا واحدًا، وللصَّدَر طوافًا واحدًا، ويحلق حلقًا واحدًا، ثم يخرجُ من إحراميه معًا‏.‏ وإنَّما الكلامُ في تعدُّد الطوافِ والسعي عند دخوله مكة، فحسب، فقلنا‏:‏ إن عليه طوافين وسعيين‏.‏ وقال الإِمام الشافعي‏:‏ إنه يطوف طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا للقُدُوم، ثم يطوف يوم النحر عن حجه وعمرتِهِ طوافًا واحدًا‏.‏

وبعبارة أخرى إنه لا فرقَ بين القَارِن والمفرِدِ عنده إلا بحَسَب الإِحرام، فإن القارن يُحرم بهما، والمفرد يُحرم بالحج فقط‏.‏ أما بحسب المناسك فقال‏:‏ إن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة، يعني به أنَّ أفعالها دخلتْ في أفعال الحج، فطوافُه عن واحدٍ ينوبُ عن آخر‏.‏ وقلنا‏:‏ إن دخولَها إنَّما هو في زمان الحج، لا في أفعاله، فيأتي بها منفردًا، وبالحج منفردًا، ولا تتداخل العبادتان من غير الجِنس‏.‏

وبعبارة أخرى إن العمرةَ أربعة أفعال‏:‏ الإِحرام، والإِحلال، والطواف، والسعي‏.‏ وقد قلنا بتداخل اثنين منها، فإِحرام القارن وإحلاله واحدٌ عندنا أيضًا، ولا تداخُلَ في الطواف والسعي، لأنهُما مقصودان، وقال الشافعية بالتداخل فيهما أيضًا، فلم تبق العمرةُ عندهم إلا كالعنقاء‏.‏

إذا علمتَ هذا، فاعلم أنَّ الشافعي تمسك من قوله‏:‏ «أما الذين جمعوا بين الحج والعمرة، فإنَّما طافوا طوافًا واحدًا» فإنه يدل على أنَّ القاَرنين طافوا طوافًا واحدًا، وحُسِبَ ذلك عن نُسُكَيْهم الحج والعمرة‏.‏

قلتُ‏:‏ وظاهِرُه يخالفُ الأئمة كلهم، بل يخالف الشافعية أيضًا، فإنَّه لا نِزَاع في أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم طاف ثلاثة أطوفة في الحج‏:‏ طوافًا حين قدِمَ، وطوافًا آخر يوم النحر، ثم طوافًا للصَّدَر، فعلى الشافعية أيضًا أنْ يطلُبُوا له سبيلا‏.‏ فقالوا‏:‏ معناه طوافٌ واحد للحج والعمرة‏.‏ وقلنا‏:‏ بل للحِلِّ منهما، وسيأتي تقريره، فإذا ثبت أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم ومن كانوا على إحرامه، لم يكتَفُوا بالطواف الواحد، بل طافوا ثلاثة أطوفة، لم يبق النصُّ حجةً لهم، ونزل الأمر إلى تخاريج المشايخ‏.‏

فخرَّجَ الشافعية طوافه الأول كان للقُدُوم‏.‏ وقلنا‏:‏ إنه كان للعمرة، وإنما لم يطف النبي صلى الله عليه وسلّم للقدوم، لئلا يزيد عدد أطوفَتِهِ صلى الله عليه وسلّم على أطوفة سائر الناس الحاجين معه عامئذٍ، فإنَّه كان فيهم مفردُون ومتمتعون، وليس لهم إلا ثلاثة أطوفة، فلو زاد النبي صلى الله عليه وسلّم رابعًا لاختل عليهم مناسكهم، فاستحبَّ أنْ تبقى شاكلَتَه، كشاكلة سائر الناس، ولذا لم يطف للنفل إلا في الليل على ما مر من البيهقي، وإن نفاه البخاري، لأنه ليس في النفل استتباع، وإنما هو حاله الانفرادي‏.‏

ولما كان طواف القدوم سنة لم تجب بتركه جِنَاية عندنا، وأقرَّ به الطحاوي أيضًا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم لم يطف للقدوم عامئذ‏.‏ وإن حملناه على التداخل بين طواف القدوم والعمرة، فله أيضًا وجه، وإذن لا نحتاج إلى أن ندعي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يطف للقدوم، بل لنا أن نقول بالتداخل‏.‏ ولكني لم أجد أحدًا من الفقهاء كتب التداخل، نعم، صرَّحُوا أن تركَ القدوم لا يوجب الدم لكونه سنة، ولا دم بتركها، أما الثاني فهو للزيارة، وعندهم للحج والعمرة، فلا فرقَ إلا في التخريج‏.‏

فنقول في الجواب‏:‏ إن الطواف بهذه الصفة بأن يقعَ الواحدُ عن الحج والعمرة معًا ليس إلا واحدًا، لا أريد به النيابة، أو البدلية، بل المرادُ أنَّ المحلَّ كانَ محل طوافين، ثم طاف فيه طوافًا واحدًا، على حد قوله‏:‏

وخيل قد دلفت لهم بخيل *** تحية بينهم ضرب وجيع

لا يريد به بدليةَ الضربِ الوجيع، ولا نيابته مكانَ التحية، بل كونه حلَّ محل التحية‏.‏ وهكذا أقولُ في عدد الأطوفة‏:‏ إنه كان محل طوافين للحج والعمرة، ولكنه طاف في المحل الذي اقتضى طوافين، طوافًا واحدًا فقط، دون التعرض إلى البدلية والنيابة‏.‏ وههنا لفظ آخر لابن عمر، وهو قوله‏:‏ «طاف لهما طوافًا واحدًا»، وهو أصرحُ لهم، وأدلُّ على مرادهم، بخلاف حديث عائشة، فإنَّه لم يكن في حديثهما لفظ‏:‏ «لهما»، وهو يُشير إلى تخريجهم أنَّ الطوافَ الواحد كان للحج والعمرة، وإن كان لغيرهما طواف آخر أيضًا‏.‏

وجوابه أنه لم لا يجوز أن يكون المرادُ من طواف الحج طوافُه للقدوم، دون الزيارة، كما فهمه الشافعية، وحينئذٍ معناه أنه طاف للقدوم والعمرة طوافًا واحدًا، وذلك صحيحٌ عندنا أيضًا‏.‏ وفي بعض الروايات عن ابن عمر ما يدل على ذلك، أن التداخل إنما كان بين طوافه للعمرة والقدوم، دون الزيارة، كما في قوله في الحديث الآخر من ذلك الباب، ورأى أنْ قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، فإنه صريحٌ في أنه جعل طواف القدوم طوافه للحج والعمرة، ونحن نلتزم التداخل بينهما أيضًا‏.‏

ولنا أن نقول‏:‏ إن هذا التخريج اجتهادٌ منه فقط، ولا نص عنده، وإنما يقومُ ذلك حجة علينا، إذا ثبت بيانًا من جهة النبي صلى الله عليه وسلّم وإلا فكله من مقاييس الرواة‏.‏ ولا يمكن الاطلاع على نية أحد إلا من جهته، فمن أخبرك أن طوافَه يوم النحر كان لحجته وعمرته، ولم يكن لحجته فقط، فهذا تخريج منه لا غير‏.‏ نعم، لو أتيت بنص من صاحب الحج أنه كان كذلك لكان لك حجة، ثم إنك إنْ تمسكت من اجتهاد هؤلاء الرواة، فلنا أيضًا أن نحتجَّ باجتهادِ عليَ، أعلم الناس بمناسِك رسول الله صلى الله عليه وسلّم وكفانا سلفًا وقدوة‏.‏

ثم إن قوله‏:‏ ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول، لا يستقيم على مذهب الشافعية، فإنَّ الطوافَ الأول عندهم للقدوم، ولا دخل للعمرة عندهم فيه، فما هذا التعرُّض إليه، إلا أن يقال‏:‏ إن طوافَ العمرة يصح أن يدخل عندهم في القدوم أيضًا، كما يصح أنْ يدخل في الزيارة، كما في «مختصر المُزَني»، وهو- خال الطحاوي- وإن كان في عامة كتبهم أنه لا يدخل إلا في الزيارة‏.‏

وجملة الكلام‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أول ما دخلَ مكة بدأ بالطواف، وهذا القدر متفقٌ عليه، ثم هو طوافٌ للقدوم عند الشافعية، وطواف للعمرة عندنا سَوَاء‏.‏ قلتُ‏:‏ إن النبيَّ صلى الله عليه وسلّم ترك طواف القدوم ليكون شأنُه وشأن الناس في المناسك سَوَاء، أو التزمت تداخله في العمرة، أو قلت‏:‏ إن الطوافَ الواحدَ حلَّ محل الطوافين، فذلك كله إليك، فإنَّ المعنى واحدٌ، والاختلافُ في الأنظار لا غير‏.‏

وأحسن الأجوبة ما أجاب به شيخنا ومولانا محمود الحسن‏:‏ أن عائشة إنما أرادت من قولها‏:‏ «الطواف الواحد»، طافوا طوافًا واحدًا الطواف للحل منهما، ولا ريبَ أنه واحدٌ عندنا أيضًا، لأنَّ إحرامَهُما لمّا كان واحدًا، وجب أن يكون الإِحلال عنهما أيضًا واحدًا، وهو بطواف الزيارة‏.‏ فالقارن إذا طاف طواف الزيارة، حل من إحراميه، والذي يدلك على هذا المعنى ما روته عائشة في البخاري ومسلم‏:‏ «فطاف الذين أهلُّوا بالعمرة بالبيت وبالصفا، والمروة، ثم حلُّوا، ثم طافُوا، طوافًا آخر، بعد أن رَجَعُوا من مِنىً لحجهم، وأما الذين كانوا جَمَعوا الحجَّ والعمرةَ، فإنما طافوا طوافًا واحدًا»‏.‏ انتهى‏.‏

وهذا صريح في أنَّ محطَّ كلامها الفرقُ بين القَارِنين، وغيرهم في حق الحِل‏.‏ تعني به أنَّ المتمتعين حلوا من عمرتهم بطوافِها، ثم حلُّوا من إحرام الحج بطوافه، واحتاجوا إلى طوافين‏:‏ طواف للحِلِّ عن عمرتهم، وطواف آخر للحل عن حجهم‏.‏ وأما الذين كانوا جَمَعُوا الحج والعمرة، فلم يحلوا منهما إلا بطواف واحدًا، ولم يطوفوا للحل طوافين، كالمتمتعين‏.‏

وأصرح منه ما عند مسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلّم «من كان معه هَدْيٌ، فليهل بالحج مع عمرتِهِ، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا»‏.‏ وكذا ما عند البخاري في باب ركوب البدن، «ثم لم يَحْلِل من شيءٍ حَرُم منه حتى قضى حجه»، وفيه‏:‏ «فطاف لهما طوافًا واحدًا، فلم يحلّ حتى حلَّ منهما جميعًا»، كل ذلك دليلٌ على أنَّ المقصودَ الأصلي بيان الحِلِّ دونَ وحدة الطواف أو تعدده، كما فهمه الشافعية‏.‏

ثم العجب أنهم شرحوا قول ابن عمر‏:‏ «ما شأنُ الحجِّ والعمرة إلا واحدًا» أيضًا بمثله، فقالوا‏:‏ معناه إذا كان التحلل للحصر جائزًا في العمرة- مع أنها غير محدودةٍ بوقتٍ- فهو في الحج أولى بالجواز،- كذا قاله القَسْطلاني- فإذا كان عندهم شأن الحج والعمرة واحدًا- يعني في الحِلِ- فكذلك عندنا معنى طوافهما، فإنَّه أيضًا واحدًا- يعني لأجل الحِل منهما- لكنهم نسوه ههنا، أو تناسوه‏:‏

أصمٌ عن الشيء الذي لا أريدهُ *** وأسمعُ خلقِ الله حينَ أُريدُ

وعندنا قول ابن عمر في حق المانع، أي ما يمنعُ عن العمرة، فهو يمنعُ عن الحج أيضًا، كما يؤيده السياق‏.‏

ولنا أنّه ثبت عن علي، وابن مسعود، ومجاهد بأسانيد قوية عند الطحاوي‏:‏ أن القَارِن يطوفُ طوافين، ويسعى سعيين، وهل تعرف عليًا من هو‏؟‏‏:‏

هذا الذي تعرِفُ البطحاءُ وطأَتَه، *** والبيتُ يعرِفِهُ والحِلُّ والحَرَمُ

هو العمدةُ والأُسوةُ في هذا الباب، فإنه أحرَمَ بإِحرام النبي صلى الله عليه وسلّم وصاحبه، ورافقه في حَجِّه، فلم يكنْ ليتركَ ما فعَلَه النبي صلى الله عليه وسلّم أو يفعلَ ما لم يفعله صلى الله عليه وسلّم ثم لما كان من مذهبه ما قد علمت، علم أنه لا بُدَّ أن يكون عنده أُسوة من النبي صلى الله عليه وسلّم أو عهد به، فإنَّه إنما تعلَّمَ ما تعلَّم منه، وطاف على طوافه‏.‏ والحافظ أيضًا أقرَّ بكون أسانيدها صالحة للاحتجاج‏.‏ ولإِثبات تعدّدِ السعي طريقٌ آخر سَلَكَه العلامة القاضي‏.‏ ثناء الله الفاني فتى في «تفسيره»، وقد ذكرناه في درس الترمذي‏.‏

باب‏:‏ وُجُوبِ الصَّفَا وَالمرْوَةِ، وَجُعِلَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه

والسعي بينهما واجبٌ عندنا، وركنٌ عند آخرين‏.‏

1643- قوله‏:‏ ‏(‏نزلت في الفريقين كليهما‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهي ثلاث فرق في سياق مسلم، فيقال إنها نزلت فيهم أجمعين‏.‏

وحاصل الحديث أن عُروة تمسَّك على عدم وجوبه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ‏}‏، وإجابته عائشة ببيانها نُكتة بلاغية فيه، وساقت قِصتَه لإِيضاحها فقط‏.‏

1643- قوله‏:‏ ‏(‏إلا من ذكرت عائشة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، جملة معترضة بين اسم «إن» وخبرها‏.‏ وهذا الاستثناء بعد ما سمعها تقول‏:‏ «إن الآية نزلت في رجال من الأنصار خاصة»‏.‏

باب‏:‏ ما جاءَ في السَّعْيِ بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَة

بوّب المصنِّفُ على كيفيته‏.‏ فالرَّمَل هو العَدْو، مع هذّ الكتفين‏.‏ والسعي هو الإِسراع بين المِيْلين الأخضرين‏.‏ وقد تعرض الشارحان إلى سدهما‏.‏

باب‏:‏ تَقْضِي الحَائِضُ المَنَاسِكَ كُلَّهَا إِلا الطَّوَافَ بِالبَيتِ وَإِذَا سَعى عَلَى غَيرِ وُضُوءٍ بَينَ الصَّفَا وَالمَرْوَة

واعلم أن السعي إنَّما شُرِع عَقِبَ الطواف، فإذا حُجِرن هؤلاء عن الطواف للعذر، حُجِرن عن السعي أيضًا، فإنَّ السعي بدون الطواف غير معهود‏.‏ ولذا نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عائشة أنْ تسعى بين الصفا والمروة، فإنَّها كانت حائضةً، وهي لا تطوف بالبيت، فحُجِرت عن السعي أيضًا‏.‏

1651- قوله‏:‏ ‏(‏وليس مع أحدٍ منهم هديٌ غير النبي صلى الله عليه وسلّم وطلحة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قلتُ‏:‏ وقد ثبتَ خمسةٌ أو ستةُ نفرٍ غيره صلى الله عليه وسلّم أيضًا الذين كان معهم هَدْي‏.‏

1651- قوله‏:‏ ‏(‏فقالوا‏:‏ ننطلق إلى منى، وذكر أحدنا يقطر منيًا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهذا هو وجه الكراهية التي كنت نبَّهتُ عليه، لا لأنهم كانوا يعدون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور‏.‏

1651- قوله‏:‏ ‏(‏لو استقبلت من أمري‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، استدل به الحنابلة على أنَّ التمتعَ أفضلُ، وقد مرّ مني وجه التمني‏.‏

باب‏:‏ الإِهْلالِ مِنَ البَطْحَاءِ وَغَيرِهَا لِلمَكِّيِّ وَلِلحَاجِّ إِذَا خَرَجَ إِلَى مِنًى

باب‏:‏ أَينَ يُصَلِّي الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَة

وهي المُحصَّبُ، ويقال لها‏:‏ خَيف بني كِنانة، علم بالغلبة‏.‏ وقد مر من مذهب المصنف أنه لا يجبُ عنده لمن أهلَّ بالعمرة أن يخرجَ إلى الحِلِّ‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏حتى تنبعث به راحلته‏)‏، واعلم أنَّ ابن عمر كان يُهلُّ يومَ التَّرويه، ولا يجوزُ تأخيرُ الإِحرامِ بعده، وإنما كان يُهل بهذا التأخير علمًا منه أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يُحرم إلا إذا دخل في السير، وانبعثت به راحلته‏.‏ والمكي لمّا كانت بداية سيره لحجته يوم الترويه، وجب له أنْ يُحرِم في ذلك اليوم‏.‏

والحاصل‏:‏ أنه فَهِم أنَّ الأفضلَ الإِهلالُ عند بداية السير، وهي للمكي من يوم التروية‏.‏ والأفضل عندنا أن يقدِّم إحرامَه‏.‏ وقد علمتَ أنَّ قياسَه على إهلاله صلى الله عليه وسلّم قياس مع الفارق عندنا، كما مر في كتاب الوضوء‏.‏

باب‏:‏ الصَّلاةِ بِمِنًى

باب‏:‏ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَة

باب‏:‏ التَّلبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ إِذَا غَدَا مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَة

باب‏:‏ التَّهْجِيرِ بِالرَّوَاحِ يَوْمَ عَرَفَة

ولما كان ذو النورين يتم صلاته في مِنىً في آخر خلافته، وإن كان يقصرها أولا، بوّب عليها المحدثون، وإلا ليست إليه حاجة، لظهور أمرها، فإنَّه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلّم ولا عن الشيخين غيرُ القصر‏.‏ وما ثبتَ عن عثمان آخرًا فبالتأويلات التي بسطها أبو داود، والطحاوي، وليس علينا تصحيحها، وهذا يَدل على أنَّ القصرَ عنده أيضًا كان رخصةَ إسقاطٍ لا ترفيه، كما زعمه الشافعية‏.‏ ولما استشعَرُوا بأن تأويلَه في القصر يخالفُهم، جعلوا يناقضونها، وينقضون عليها‏.‏

قلنا‏:‏ لا نبحثُ في تلك التأويلات كيف هي‏؟‏ ولكن ثبت منها أنَّ عثمانَ لم يكن يترخَّصُ بالإِتمام، إلا بعد التأويل، وذلك يخالف مذهبَهم‏.‏ ومن الحنفية من اشتَغَلَ بالأجوبة عن تلك الإِيرادات، مع أنها لو وردت لوردت على عثمان، فلينظر الشافعية، أنهم على مَنْ يورِدُون‏.‏

1656- قوله‏:‏ ‏(‏ونحن أكثر ما كنا قط وآمَنُه‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، أي آمن ما كنا، فالضمير راجع إلى «ما كنا»، لكونه في تأويل المصدر، وإلا فالضمير لا يرجعُ إلى الحروف، وإن لم يكتُبوه، وإنما يتعرضون إلى الأمن ليُعلم أنَّ الخوفَ المذكورَ في النص ليس شرطًا للقصر، وإن جاء ذِكرُه في السياق‏.‏

1657- قوله‏:‏ ‏(‏فيا ليت حظي من أربع، ركعتان متقبلتان‏)‏، واعلم أن ابن مسعود كان يُصلي خلفَ عثمان أربعًا، لصحة الاقتداء في المسائل المجتهد فيها، كما مر مبحثه في الطهارة‏.‏

ونقل الحافظ ابن تيمية الإِجماعَ على صحة اقتداء حنفيَ بشافعي، وكذلك كل صاحب مذهب بصاحبِ مذهب آخر، وصرح أن هذا هو مذهب الإِمام أبي حنيفة‏.‏ ومع ذلك نجدُ في «الدر المختار» خلافَه، فذهب إلى أنه لا يصح‏.‏ قلتُ‏:‏ كيف مع أن الدينَ واحد، والنبيَّ واحدٌ، والقبلة واحدةٌ، فبعيدٌ كل البعدِ أنْ لا يصح اقتداءُ حنفيَ بشافعي في أمر الصلاة التي هي من أهم مُهمات الدين‏.‏ وراجع «فتح القدير» من كتاب القضاء، والوتر، وقد مر الكلام فيه مبسوطًا، وراجع «الهداية»‏.‏

باب‏:‏ الوُقُوفِ عَلَى الدَّابَّةِ بِعَرَفَة

وهو أفضل، وجاز الوقوف على الأرجل أيضًا‏.‏

باب‏:‏ الجَمْعِ بَينَ الصَّلاتَينِ بعَرَفَة

وهو من النُّسك عندنا، فيشمَلُ المقيم، والمسافر‏.‏ وعند بعضهم للسفر، فيختصُّ بالمسافرين‏.‏ قلتُ‏:‏ ولم يثبت عن النبيِّ صلى الله عليه وسلّم ولا عن الصحابة أنهم أتموا بعرفة، أو أمروا أحدًا ممن اقتدى بالإِتمام، على سُنة الإِمام المسافر للمقيم، فإنْ كان هؤلاء مسافرين، أفكان أهلُ مكةَ وأمثالهم مسافرين‏؟‏، ولم نجد نقلا في ذخيرة الحديث أنْ يكونَ أعلنَ بعرفة لأهل مكة، بأن أتموا صلاتكم، مع أن عمر لما صلى في مكة بأهلها، نادى بعد الصلاة أن أتموا صلاتَكم‏.‏ فإِنا قوم سَفْرٌ‏.‏

فلو كان الجمعُ هنا لأجل السفر لنادى به أيضًا، ليتم أهل مكة صلواتهم، فدل على أنه كان من النُّسك، فلذا استوى فيه أهل مكة وغيرهم، ولم يحتج إلى نداء بينهم‏.‏ وقد ذكرنا فيما مر الفرقَ بين أحكام الجمع بعرفة، والجمع بالمزدلفة، حيث يُشترطُ الإِمامُ للأول دون الثاني‏.‏ وكذلك في شرائط أخرى‏.‏ والوجه في الأمر بإِعادةِ المغرب إنْ صلاها قبل العشاء إلى الفجر خاصة، وأنها لماذا تنقلبُ بعده صحيحةً مع الكراهة‏؟‏‏.‏

باب‏:‏ قَصْرِ الخُطْبَةِ بِعَرَفَة

ولو ترك المصنف لفظ «بعرفة» كان أحسن، فإنَّ تلك الخُطبة إنما هي خارج عَرَفة‏.‏

باب‏:‏ التَّعْجِيل إِلَى المَوْقِف

باب‏:‏ الوُقُوفِ بِعَرَفَة

قال أبو عبد الله‏:‏ يُزاد في هذا الباب‏:‏ هم، هذا الحديث، ولفظ ‏(‏هم‏)‏ فارسي‏.‏ وكان المصنف فارسيًا، وجرى على لسانه نحوه في مواضع من كتابه، كذلك أكثر المحدثين، كانوا يَعلَمون الفارسية، كأبي داود السَّجِسْتَاني، وهو معرب سبستان‏.‏ وما كتبه ابن خلِّكَان فغلطٌ‏.‏ والترمذي وإن كان مما وراء النهر، لكن كان يعرف الفارسية، كذلك ابن ماجه، وعبد الله بن المبارك، وكان الشيخ العيني يعلمُ التركي أيضًا، ولم يكن الحافظ يعلمها ‏(‏ف‏)‏‏.‏

واعلم أن مَنْ وقف ببطنِ عَرَفة أجزأه، لكونها جزءٌ من عرفة، مع أن النهي ورد عن الوقوف فيها، وهذا يرجع إلى خِلافية أخرى، وهي النهيُّ عن الأفعال الشرعية، وبسْطُه في الأصول‏.‏

1665- قوله‏:‏ ‏(‏ثم أفيضوا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، قالوا‏:‏ إن «ثم» ههنا للتراخي ذكرًا‏.‏ قلتُ‏:‏ وليس كذلك، بل هي لقطعِهِ عن الأول، والتنبيه على أنَّه محطُّ الفائدة، فالمعنى أنكم أيها الحُمْس تؤدُّون مناسِككم على وجهها، إلا طواف الإِفاضة، فإنَّكم لستم فيه على صوابٍ وسنةٍ، فتوجَّهوا إليه أيضًا، وأفيضوا من حيث أفاض الناس‏.‏

واعلم أنَّ من دأب إبليس أنه إذا أضل أحدًا عن سبيل الله يُحدِثُ في نفسه شبهات ووساوسَ، لتزل قدمٌ بعد ثُبُوتها، وإذا أرادَ تمكينَ باطل في صدره أوجدَ له مناسباتٍ ركيكة، فيستقر عليه لأجل تلك المناسبات، ويثلِجَ بها صدرُه‏.‏ وهذا الذي عَرَضَ لعين القاديان- المرزا غلام أحمد القادياني- حيث جعل جهنَّم مأواه ومثوَاه وادّعى النبوةَ، فأوجد له شيطانه مناسباتٍ رَكيكة بين ختم النبوة، وادِّعاء نبوتِهِ وعيسويته، فألقَمَه علماء الإِسلام حجرًا، فخاب وخسر خسرانًا مبينًا‏.‏

باب‏:‏ السَّيرِ إِذَا دَفَعَ مِنْ عَرَفَة

هذا من باب الآداب، والإِصلاح، والتعليم بالسَّكِينة عند الزحام‏.‏ ثم النص مضاعفٌ، والمناصُ أجوف، وبينهما اشتقاقٌ كبير، والمصنِّف ينتقلُ في مثلِ هذه المواضع من أحدهما إلى الآخر‏.‏

باب‏:‏ النُّزُولِ بَينَ عَرَفَةَ وَجَمْع

باب‏:‏ أَمْرِ النبي صلى الله عليه وسلّم بِالسَّكِينَةِ عِنْدَ الإِفاضَةِ وَإِشَارَتِهِ إِلَيهِمْ بِالسَّوْط

باب‏:‏ الجَمْعِ بَينَ الصَّلاتَينِ بِالمُزْدَلِفَة

باب‏:‏ مَنْ جَمَعَ بَينَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّع

وإنما نزل النبيُّ صلى الله عليه وسلّم لقضاء حاجته، وتوضأ وضوءًا، ثم توضأ بعده وضوءً كاملا، كما يأتي في باب الجمع بين الصلاتين بالمزدلفة، من حديث أسامة بن زيد‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا

واعلم أنَّ الخِلافَ في تعدد الإِقامة ووَحْدَتها، ليس في الجوازِ وعدمه، بل في السُّنِّية‏.‏ فالجمع عندنا بعرفة بأذان وإقامتين، وبالمزدلفة بأذان وإقامة‏.‏ وعند الشافعي بأذان وإقامتين فيهما‏.‏ واختلف فيه العلماء على ستة أقوال، ذكرها المحشي‏.‏ وذلك لاضطراب الروايات في هذا الباب، فلم يتنقَّح الأمر، ولذا أتى المصنف بلفظ «مَنْ» في الترجمة‏.‏ والسر في ذلك تعدُّدِ الجماعات فيها فاشتَبَه الحالُ، واختلفت الآراء‏.‏ واختار الطحاوي تعدد الإِقامة، كما في حديث جابر عند مسلم، وإليه ذهب ابن الهُمَام، وزُفَر، والشافعي‏.‏

قلتُ‏:‏ وعن ابن عمر وَحْدة الإِقامة أيضًا، كما هو عند مسلم أيضًا‏.‏ وحديث الباب لا يرد علينا، لأن فيه ذكر التَّعشي بعد صلاة المغرب، ومسألةُ وَحْدة الإِقامة عندنا إنَّما هي فيما جَمَع بين الصلاتين، بدون فاصلة بينهما، وإلا فتعاد الإِقامة عندنا أيضًا، كما في الحديث‏.‏ وقد مرّ من قبل أنَّ مدرك إمامنا فيه هو أنَّ صلاة المغرب في هذا اليوم تُحوَّلُ عن وقتها إلى وقت العشاء، كما في الحديث نصًا‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏الصلاة أمامك‏)‏، وبه يظهر السِّرُ في تأخيره المغرب إلى المزدلفة، مع غروب الشمس بعرفة، ولا وجه له، غير أنَّ وقتَها في هذا اليوم هو وقت العشاء، فلا حاجة إلى تعدد الإِعلام، بخلاف الجمعِ بعرفة، فإنَّ معنى التعجيل ههنا أظهر، وهو إطالة الوقوف، بحيث لا تتخلَّلُ بينه عبادة أخرى‏.‏ وجملة الكلام أنَّ الروايات إذا اضطربت في قِصةٍ واحدةٍ، نزل الأمرُ إلى باب التفقه والترجيح، والكلام فيه- الأسئلة والأجوبة- في مَقَامِهِ مشهورٌ‏.‏

1675- قوله‏:‏ ‏(‏هما صلاتان تحولان‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فيه حجةٌ لنا على مسألة الإسْفَار، فإنَّ الصلاة بالتغليس عُدّت متحولةً عن وقتها المعروف، ومعلوم أنَّها لم تكن إلا بعد طلوع الفجر، فعُلِم أن صلاة الفجر عند تبيُّن الفجر لم تكن في وقتها المعروف عندهم، وهو مخالفٌ لما أنَّ وقتَها المستحبَّ عند الشافعية هو ذلك‏.‏ وما اعترضَ به النووي مدفوعٌ مما عند النسائي، وقد ذكرناه في المواقيت‏.‏

باب‏:‏ مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيلٍ، فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وَيَدْعُونَ،وَيُقَدِّمُ إِذَا غابَ القَمَر

الوقوفُ بالمزدلفة من الواجبات الستة التي إنْ تركه تاركٌ بالعذرِ لم يجب عليه الدم‏.‏ ثم إنَّ المسألةَ التي في كُتبنا هي في ترك هذا الوقوف رأسًا، وأما مسألة المصنف ففيها الوقوف بالليل، أي قبل أوَانه، ولا أراه أن يثبتَ له في المرفوع شيءٌ‏.‏ وما ذكره ابن عمر، فهو اجتهادٌ منه، ثم إنه إذا قدَّم أهله إلى مِنىً، فهل لهم أن يرموا وهم في الليل‏؟‏ فقال الشافعي‏:‏ يجوزُ من نصف الليل‏.‏ وعندنا لا رميَ إلا بعد الطلوع، وبه أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلّم ابن عباس أنْ لا يرمي ليلا‏.‏ ولنا فيه آثارٌ كثيرة، أخرجها الطحاوي‏.‏

1679- قوله‏:‏ ‏(‏ما أُرانا إلا قد غَلَّسنا‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فيه دليل على خمولِ التَّغْليس‏.‏

باب‏:‏ مَنْ يُصَلِّي الفَجْرَ بِجَمْع

باب‏:‏ مَتَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْع

قد علمت أنَّ تعجيلَ الظهر بعرفة، وتأخيرَ المغرب، وتغليسَ الفجر بالمزدلفة، كله لأجل الوقوف‏.‏

باب‏:‏ التَّلبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ حِينَ يَرْمِي الجَمْرَةَ، وَالارْتِدَافِ في السَّير

وقوله‏:‏ ‏(‏والارتداف بالسير‏)‏ فيه إنجاز عندي‏.‏

باب‏:‏ ‏{‏فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 196‏)‏

كاد الناس يتفقون على أنَّ المرادَ من التمتع في النص هو التمتع اللغوي، فيطلق على القِرَان أيضًا‏.‏ قلتُ‏:‏ والأظهرُ عندي أنَّ المرادَ في الآية هو التمتع الشرعي، وفيه تقديم العمرة على الحج‏.‏ أما في الحديث فقد ورد بالنحوين، فتارةً إطلاقهُ على اللغوي، وأخرى على الشرعي‏.‏ أما ذكر القِرَان في القرآن، فهو عندي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 196‏)‏‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏فما استيسر من الهدي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وهي دمُ شُكرٍ عندنا، فيؤكل‏.‏ ودم جبرٍ عند الشافعية فلا يؤكل‏.‏ وقد ثبتَ عندنا أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم كان قارنًا، ثم اهتم بالأكل من هداياه، حتى أخذَ من كلها قِطعة، ثم جعلها في قدر، ثم شرب من مرقها‏.‏

باب‏:‏ رُكُوبِ البُدْن

قالَ مُجَاهِدٌ‏:‏ سُمِّيَتِ البُدْنَ لِبُدْنِهَا‏.‏ وَالقَانِعُ‏:‏ السَّائِلُ، وَالمُعْتَرُّ‏:‏ الَّذِي يَعْتَرُّ بِالبُدْنِ مِنْ غَنِيَ أَوْ فَقِيرٍ، وَشَعَائِرُ الله اسْتِعْظَامُ البُدْنِ واسْتِحْسَانُهَا، وَالعَتِيقُ‏:‏ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَيُقَالُ‏:‏ وَجَبَتْ سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ، وَمِنْهُ وَجَبَتِ الشَّمْسُ‏.‏

والبَدَنَةُ في باب الجِنَايات عامٌّ عندنا للبقر والبعير كليهما، كما صرح به الخليل في «كتاب العين»‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ إنه للبعير خاصة، ثم إنه لا يجوزُ عندنا الركوب عليها إلا عند الاضطرار، فإِنها إذا صارت هَدْيًا في سبيل الله لم يجز له الانتفاعُ بها قبل البلوغ إلى محلها‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يجوزُ عند الحاجة، فلا فَرق، غير أنَّا أخذْنَا الرخصةَ عند الإِلجاء، وأخذها الشافعي عند الحاجة‏.‏ ولنا ما عند مسلم لفظ‏:‏ «إذا ألجئت إليها» نصًا‏.‏ قلتُ‏:‏ وأني ينفصلُ الأمر من مِثل هذه الألفاظ، فإِن تعيينَ المراتبِ الذِّهنية خارجٌ عن طوق البشر، فللشافعية أن يحملوه على الحاجة، نعم، لا ريب أنَّ ظاهره للحنفية‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏‏{‏صَوَآفَّ‏}‏‏)‏ أي قائمات، وذلك في الإِبل، دون البقر‏.‏ ‏(‏‏{‏الْقَنِعَ‏}‏‏)‏ وهو من القُنُوع دون القَنَاعة‏.‏ قلتُ‏:‏ ولعل القانِعَ من يسألُك بلسانه‏.‏ ‏(‏‏{‏وَالْمُعْتَرَّ‏}‏‏)‏ من اعترضك، ولم يسألك باللسان، ولا أدري ما وجه تفسير المصنِّف‏.‏

باب‏:‏ مَنْ سَاقَ البُدْنَ مَعَه

باب‏:‏ مَنِ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنَ الطَّرِيق

والسوق مستحبٌّ عندنا، حتى يُستحب له أن يذهبَ بها معه إلى عَرَفة، مع أنها تُذبح بمنىً، فالهَدْي اسمٌ لما يُهدى إلى البيت بعد شرائه من خارج‏.‏

1691- قوله‏:‏ ‏(‏بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأهل بعمرة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، هذا بالنظر إلى تلبيته صلى الله عليه وسلّم فمن سمعه يقول‏:‏ لبيك بعمرة وحجة غرَّ عنه كما ترى، وإلا فإِنه كان قارنًا، والقارن يُهلُّ بهما من الميقات‏.‏

1691- قوله‏:‏ ‏(‏فطاف حين قدم مكة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وفي الحديث تصريحٌ بأنَّه طاف أطوفةً، فدل على أنَّ من حكى عن طوافه أنَّه لم يكن إلا واحدًا، فقد اعتبر في ذِهنه اعتبارًا‏.‏

1691- قوله‏:‏ ‏(‏ثم حل‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، هذا هو محطُّ الفائدة‏.‏ كما علمتَ أنَّ المقصودَ بيانُ الفرقِ بين القَارِنين وغيرهم في حق الحلّ‏.‏ ثم إن ابن عمر، وإن أطلق لفظ التمتع في حقِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم إلا أنه صرَّحَ بعدم الحلِّ في البين‏.‏

باب‏:‏ مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الحُلَيفَةِ ثُمَّ أَحْرَم

واعلم أنَّ أبا حنيفة لم يُنكر أصلَ الإِشعار، بل إشعارُ زمانه، كما ذكره الطحاوي‏.‏ ورُوي عن عمر بن عبد العزيز أن الإِشعار مستحبٌّ، ويجيء زمان يجعله الناس نَكالا، وهو بالإِفراط فيه‏.‏ وأخرج الترمذي عن وكيع حين روى حديث ابن عباس في الإِشعار، قال‏:‏ لا تنظروا إلى قولِ أهل الرأي في هذا، فإِن الإِشعارَ سنةٌ، وقولَهم‏:‏ بدعةٌ‏.‏ وحمَلَه القاصرون على أنَّ وكيعًا لم يكن في بردِ صدرٍ من الإِمام الهُمَام‏.‏ قلتُ‏:‏ وليس كذلك، فإِن قوله لا يُبنى على مخالفته أصلا، بل من سجيةِ النقي التُّقى، أنه إذا عَرَضَ عليه شيء مما خالف الحديث، يأخذه غضبٌ وسخطٌ في الله، من غير نظر إلى القائل، وهذا الذي اعتراه ههنا، لا أنه تعصُّبٌ، كيف وأنه كان يفتي بمذهب أبي حنيفة، كما في «كتاب الضُّعفاء» لأبي الفتح الأَزدي، و«التهذيب» في ترجمته‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏وقلد بذي الحليفة‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، يدل على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم أحرمَ من ذي الحُلَيفة، وهذا في الحُدَيْبِيَة، كما في الحديث‏.‏ فدلَّ على تعينِ المواقيت قبلها، وأنكرها الشافعية ليفيدهم في نكاح المحرم، كما سيجيء تفصيله‏.‏

باب‏:‏ فَتْلِ القَلائِدِ لِلبُدْنِ وَالبَقَر

باب‏:‏ إِشْعَارِ البُدْن

باب‏:‏ مَنْ قَلَّدَ القَلائِدَ بِيَدِه

1697- قوله‏:‏ ‏(‏قال‏:‏ إني لبدت رأسي‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، فيه دليل على عدم التداخل بين أفعال الحج والعمرة، وينبغي أن يكونَ التلبيدُ بحيث لا يؤدي إلى تغطية الرأس‏.‏ ثم النُّكْتة فيه أنْ لا تنتشرَ الأشعار‏.‏

باب‏:‏ تَقْلِيدِ الغَنَم

باب‏:‏ القَلائِدِ مِنَ العِهْن

باب‏:‏ تَقْلِيدِ النَّعْل

باب‏:‏ الجِلالِ لِلبُدْن

واعلم أن تقليد الغنم لما كان بشيء خفيف، كالعِهن ونحوه، ترك فقهاؤُنا ذكرَه في الكتب، لا أنه منفيٌّ عندهم، بخلاف تقليد الإِبل، فإِنه يكون بشيء ثقيل، كالمزادة، وغيرها، فكأنه التقليد حقيقة‏.‏ أما تقليد الغنم فتركوه إلى الفطرة السليمة، لظهورِهِ وعدم خفائه، لا لنفيه رأسًا، ثم إنه لا يُعطي الجلد في الجزارة، بل يتصدَّقُ به‏.‏

باب‏:‏ مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا

1708- قوله‏:‏ ‏(‏عام حجة الحرورية‏)‏، والمراد به عام نزل الحَجَّاج، ولم يكن الحَجَّاج من الخوارج، إلا أنَّه كُني عنه هجوًا له‏.‏

باب‏:‏ ذَبْحِ الرَّجُلِ البَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيرِ أَمْرِهِن

باب‏:‏ النَّحْرِ في مَنْحَرِ النبي صلى الله عليه وسلّم بِمِنًى

باب‏:‏ مَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ بِيَدِه

باب‏:‏ نَحْرِ الإِبِلِ مُقَيَّدَة

باب‏:‏ نَحْرِ البُدْنِ قائِمَة

باب‏:‏ لا يُعْطِي الجَزَّارَ مِنَ الهَدْيِ شَيئًا

باب‏:‏ يُتَصَدَّقُ بِجُلُودِ الهَدْي

باب‏:‏ يُتَصَدَّقُ بِجِلالِ البُدْن

1709- قوله‏:‏ ‏(‏لا نرى إلا الحج‏)‏، وقد مرّ معناه، فلا تَجمُد على الألفاظ، وتعبيرات الرواة، فإِنها أتت في هذا الباب على كل نحو‏.‏

1709- قوله‏:‏ ‏(‏بلحم بقر‏)‏، وعند النسائي‏:‏ «بلحم بقرة»، بتاء الواحدة، فيشكل كون بقرة واحدة عن سائر نسائه، ومرّ جوابه‏.‏ وحاصله‏:‏ أن غرضَ الراوي بيانُ كون البقرة الواحدة عن متعددٍ فقط، أما إنها عن تِسعة أو سبعة، فليس من مقصودِهِ في شيء‏.‏ فمحطُّ الوحدة كونها عن متعدد فقط، لا عن تِسعة أو سبعة، على أنَّ البقرة بالتاء ليست في أحد من روايات البخاري‏.‏ نعم، هي عند النسائي، وقد أجَبْنا عنها‏.‏

1709- قوله‏:‏ ‏(‏فقلت‏:‏ ما هذا‏؟‏‏)‏ هذا هو موضع الترجمة، فإِنه يدلُّ على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يكن استأمرَ عائشة، ولذا لم تَعرِف، وسَألت عنها‏.‏ ولا بد منه عند الفقهاء‏.‏

قلتُ‏:‏ لما ثبت عندنا ضرورةُ الاستئمار شرعًا، وجب علينا أنْ نحمِلَه على معنىً لا يُخالِفُ ما ثبت عنه ضرورةً، وحينئذٍ المعنى أنها سئلت عنه، أنها هي التي أمرت بذبحها أو غيرها‏.‏

124- بابٌ

واعلم أن حرف ‏{‏إِذْ‏}‏ تستعمل عندهم للفصل بين الكلامين، وتحقيقه في رسالتنا «عقيدة الإِسلام»‏.‏

باب‏:‏ مَا يَأْكُلُ مِنَ البُدْنِ وَمَا يَتَصَدَّق

قوله‏:‏ ‏(‏ما يأكل من البدن‏؟‏‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، ويؤكل عندنا من هدي التطوع والقِرَان لكونهما دم شُكرٍ، ولا يؤكلُ من دمِ الجَبْر والجزاء، فلا يؤكل من جزاء الصيد‏.‏ فأثر ابن عمر بعمومه موافقٌ لنا‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ إن دم القِرَان لا يؤكل، وذلك لأنَّ القِرَان عندهم مفضولٌ من الإِفراد، فجعلوا هدْيَه دمَ جبر، فلا يُؤكل‏.‏ وقد مر منا أنه ثبت أكله عن النبي صلى الله عليه وسلّم فلا يكون إلا دمَ شُكرٍ‏.‏

باب‏:‏ الذَّبْحِ قَبْلَ الحَلق

باب‏:‏ مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَحَلَق

واعلم أنَّ الأفعالَ في يوم النحر أربعة‏:‏ الرمي، والنحر، والحلق، والطواف‏.‏ ويلزمُ الترتيب بينها للقارِن دون المُفرد، فإنَّ الدم لا يجب عليه رأسًا‏.‏ ثم الطواف عبادةٌ لا جناية في تقديمه‏.‏ بقي الرميُ، والحلق في حق المُفرد، والثلاثة الأوَل للقارن، فيجب الترتيبُ في حقِّهما، والأسئلة في سوء الترتيب نحو ستة، وجوابُه في كلها‏:‏ «افعل ولا حَرَج»‏.‏

ثم الجوابُ عندنا في المسائل كلها نحو ما في الحديث، إلا في مسألة، ففيها الحرجُ عندنا، وكذلك يجبُ الجزاءُ في بعض الصور عند مالك، وعند أحمد‏.‏ نعم، لا جزاءَ عند الصاحبين، والشافعي مطلقًا‏.‏ وعموم قولِهِ صلى الله عليه وسلّم «لا حرج» حجةٌ لهم، وقد مر جوابه عن الطحاوي في كتاب العلم أن نفيَ الحرجِ محمولٌ على نفي الإِثم، لا نفي الجزاء، وذلك من خصائص الحج أنَّ الشرعَ يُبيح له ارتكابَ محظورٍ لعذر، ثم يوجب عليه الجَزَاءَ، ككفارة الأذى في القران، فلا تنافيَ في هذا الباب بين إيجاب الجزاء، ونفي الجُنَاح، وقد بَسَطه في كتابه جدًا‏.‏

ولا بعد عندي أنْ يُحمل قوله‏:‏ على نفي الجزاء أيضًا‏.‏ نعم، يقتصر على عهده صلى الله عليه وسلّم للجهل بالمسائل في ذلك الزمان، وإنما يُعدُّ ذلك عذرًا عند انعقاد الشرع، لا بعد تقرره واشتهارِه على البسيطة كلها‏.‏ ثم هل الجهلُ عُذْرٌ في مسائل العبادات والديانات أو لا‏؟‏ فقد تكلمنا عليه في العلم، فراجعه‏.‏

1724- قوله‏:‏ ‏(‏فقال عمر‏:‏ إن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمرنا بالتمام‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وللمعارض أنْ يقول‏:‏ إن القرآن وإن كان يأمر بالتمام لكنه يأمر بالتمتع أيضًا، وكذلك النبيُّ صلى الله عليه وسلّم وإن لم يُحلل بنفسه، لكنه أمر ألوفًا من الناس أن يتحلَّلوا‏.‏

واعلم أنَّ البخاري أخرج عن قيس بن سعد في تعليقه عن حماد من هذا الباب، وبهذا الذي في زكاة الإِبل، عند الطحاوي، فتصدى له البيهقي هناك، فاعلمه‏.‏

باب‏:‏ الحَلقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلال

باب‏:‏ تَقْصِيرِ المُتَمَتِّعِ بَعْدَ العُمْرَة

والربُع عندنايحكي عن الكل، فيكفي له حلقُ الربع‏.‏ وقاسه صاحب «الهداية» على مسح الرأس، فاعترض عليه الشيخ ابن الهُمَام، وتفرد في هذه المسألة، فراجعه من كتابه «فتح القدير»‏.‏ والجواب أنه ليس من باب القياس، بل من باب آخر، وهو أنَّ الأمر بإِيقاعِ فعلٍ على محل، هل يوجبُ استيعابَ ذلك المحل أو بعضَه‏؟‏ فذهب نظرُ إمامنا إلى أن الربُع يحكي عن الكل، فيحُلُّ محله، خلافًا لمالك، والشافعي‏.‏ ولو تنبه الشيخ على هذا الباب لما تفرد فيه‏.‏

1727- قوله‏:‏ ‏(‏اللهم ارحم المحلقين‏)‏‏.‏‏.‏‏.‏ إلخ، وإنما خص المحلقين بمزيدِ الدعاءِ لأنهم بَادَروا بالامتثال‏.‏ وفي الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم لما سُئل عن دُعائه للمحلقين، قال‏:‏ «لأنهم لم يشكوا»‏.‏

واعلم أن ما في كتب السير أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يحلق رأسه إلا مرتين، فلا أصل له‏.‏ وإنما ظن هذا القائل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم اعتمر عمرتين، وحج حجة، فجعل القصرَ في واحد منها، فبقي الحلقُ في الاثنين، ثم ظن أنه كان من سيرتهِ العامة الشعر، فلم يثبت عنده الحلق إلا مرتين‏.‏ ولا دليل عليه‏.‏ وكذلك ما اشتُهر من أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم لم يثبت عنه أكلُ لحم البقر، ففاسد أيضًا، فإنَّه ثبت عنه أكله في قِصة بَرِيْرة، وكذلك في قصة أخرى‏.‏

1730- قوله‏:‏ ‏(‏عن معاوية، قال‏:‏ قصرت عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم بمشقص‏)‏، واستشكله الشارحون، لأنه لا يصح في الحُدَيْبِيَة أصلا، ولا في عمرة القضاء، فإنَّ معاوية لم يُسلم يومئذٍ، ولا في عُمرة الجِعْرانة لكونه في الليل، ولا في حَجَّة الوداع للتصريح بالحلق فيه‏.‏ وادَّعى ابن حزم أنه كان في حجة الوداع، لاحتمال أنْ يكون بقي من الحلق بعضه، فقصَّرَه بعده، وهو كما ترى‏.‏

ثم في بعض الروايات‏:‏ أنه قَصَّر على المروة، وتمسك به بعضهم على كونه متمتعًا بغير سوق الهَدْي، مع تضافر الروايات بخلافه‏.‏ ثم قيل‏:‏ يمكن أنْ يكونَ في عمرة القضاء، ولا نسلِّمُ أنه لم يكن أسلم يومئذٍ، بل يمكن أن يكون أسلم، ولم يكن أظهَرَ إسلامه، ولو سلَّمنَا، فلا بِدْعَ في خدمة الكافر للمسلم‏.‏ ويردُّ كله ما عند النسائي‏:‏ «قصرت رأسه في عشرة ذي الحجة»، فإنَّ عُمَرَ النبيِّ صلى الله عليه وسلّم كلها لم تكن في هذا التاريخ‏.‏ وعلل ابن كثير رواية النسائي‏.‏ بقيت الروايات التي فيها ذكر العشرة فقط، فلا حاجة إلى إعلاله، لأن العشرةَ تحتملُ أنْ تكونَ من ذي القَعْدة أو شوال، فإنَّهما أيضًا من أشهر الحج‏.‏

ثم إن حديث معاوية هذا لما نُقل عند ابن عباس، قال‏:‏ لا أراه إلا حجةً عليه، فإِنه إذا رَوى أنه قصَّر النبي صلى الله عليه وسلّم على المروة ثَبَتَ أنَّه كان متمتعًا، فَلَم ينه عن التمتع‏.‏

ثم هناك قطعة أخرى عند مسلم، أشكل شرحها على الشارحين، وهي أنَّ سعدَ بن وقاص كان يرى التمتعَ جائزًا، فقيل له‏:‏ إن معاوية ينهى عنه، فقال سعد‏:‏ «قد فعلناه مع النبي صلى الله عليه وسلّم وكان هذا الرجل- معاوية- كافرًا يومئذ في عريش مكة‏.‏ ولا يصحُّ أنْ تكون هذه إشارة إل قِصة حجة الوداع، فإنَّه أسلم قبل ذلك بسنتين‏.‏ وكذا ليست قبلها واقعةٌ يكون النبيُّ صلى الله عليه وسلّم تمتع فيها، فأي قِصة هي‏؟‏‏.‏

قلتُ‏:‏ المراد منه قِصة الحُدَيْبِيَة، وإنما عبَّر عنها بالتمتعِ بجامع الحِل قبل الأوان بينهما، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلّم حل في الحديبية قبل أوانه، وكذا المتمتع يحل قبل أوان الحج، ولذا كان الناسُ يتأخرون عن الحِل حين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلّم به‏.‏ فحاصل مقالةِ سعدٍ أنَّ معاوية إنما ينهى عن التمتع، لأنه يوجِبُ الحِلَّ قبل أوانه، مع أنا قد حللنا في الحُدَيْبِيَة مع الني صلى الله عليه وسلّم قبل أوانه‏.‏

والجوابُ عندي عن أصلِ الإِشكال أنَّه يمكنُ أنْ تكونَ هذه قِصة قبل الهجرة‏.‏ وفي السير أنَّ النبي صلى الله عليه وسلّم كان يحج قبل الهجرة، ثم تتبَّعْتُ عُمْرَ معاوية يومئذ، فظهر أنه كان ابن ستة عشر، أو اثنين وعشرين، وهذا صالح للقصر، وحينئذ لا حاجة إلى إعلال رواية النسائي، نعم يرد عليه، أنه لا يتم حينئذٍ ردّ ابن عباس عليه، فإنه لما جعل قصرَه على المروة حجةً عليه في منعِهِ عن التمتع، عُلِمَ أنه حَمَلَه على القصر في عمرة‏.‏ هذا ما قصدنا إلقاءَه عليك بالاقتصار‏.‏ والكلام فيه أطول من هذا، ذكره الحافظ في «الفتح»، فراجعه إن شئت‏.‏

باب‏:‏ الزِّيَارَةِ يَوْم النَّحْر

واختلفت الروايات في طوافه صلى الله عليه وسلّم يوم النحر، ولا سبيل في بعضها إلا إلى الترجيح، والأظهرُ أنَّه طافَه بعد الظهر، فأدَّاه بعضهم أنه أخره إلى الليل، كما عند الترمذي‏.‏ ومن مارَس توسُّعات الرواةِ في التعبيراتِ لا يَستبْعِدُ منهم ذلك‏.‏

قوله‏:‏ ‏(‏كان يزور البيت أيام منى‏)‏، وهذا طوافه للنفل بعد يوم النحر‏.‏ إما أنه طاف بين القدوم والإِفاضة أم لا‏؟‏ فنفاه البخاري، وأثبته البيهقي‏.‏

1732- قوله‏:‏ ‏(‏وقال لنا‏)‏ يعني أنه سمعه منه بلا واسطة، إلا أنه تأوَّل لضعفِ عنده‏.‏

1732- قوله‏:‏ ‏(‏طوافًا واحدًا‏)‏، وأراد به ههنا طوافَ الإِفاضة، وهو الطّوافُ الثاني، فاختلف الرواة في مِصْدَاق هذا اللفظ عن ابن عمر، فجعل بعضهم مِصْدَاقه الطواف الأول، أي القدوم، وبعضهم طوافُ الزيارة‏.‏ وحينئذٍ لم تبق فيه حجة للشافعية، فإنَّ الطوافَ الواحدَ عن الحج والعمرة هو الزيارة عندهم، ولم يتعين بعد أن أيهما المراد ههنا‏.‏

ولنا أن نقول‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وسلّم وإن طافَ لهما طوافين‏.‏ إلا أنهما لم يكونا متميزين، أيهما عن الحج، وأيهما عن العمرة، لعدم تخلل الحِل بينهما، فعبَّرَ عنه الراوي هكذا، كأنه طاف لهما طوافًا واحدًا، أي لكل واحدٍ منهما طوافًا طوافًا‏.‏ ولكنه جعل الواحد عن اثنين في العبارة، لعدم تميزهما في الحِسِّ‏.‏ وبعبارة أخرى إن طوافَه الواحدَ كان عن الحج والعمرة، لعدم التميز، لا لعدم التعدد، فلو شئت اعتبرتَه عن الحج، فعلت، وإن أردتَ جعلتَه عن العمرة، فذاك أيضًا إليك‏.‏

والحاصل‏:‏ أنه طاف لهما دَفْعة واحدة طوافًا‏.‏ ونُوضح لك مزيد الإِيضاح‏:‏ أن الذين أهلوا بالعمرة، ثم بالحج، وأحلوا في الوسط، كان طوافُهم للعمرة متميِّزًا عن طوافهم للحج، لتخلُّل الحِل في البين، فصح أن تقول‏:‏ إن هذا للعمرة، وهذا للحج، ولا يصح أن تقول فيهم‏:‏ إنهم طافوا لهما طوافًا واحدًا، بخلاف القارنين، فإِنهم أهلوا بالحج والعمرة معًا، ثم يُحِلوا في الوسط حتى طافوا طواف الزيارة، فلم يتميز طوافهم للحج عن طوافِهم للعمرة‏.‏

وإذا لم يتميز في الحسّ أحد الطوافين عن الآخر، عبَّر عنه الراوي بالطواف الواحد، فهم فهموا أنه طاف لهما طوافًا واحدًا حقيقة، ونحن فهمنا أنه طاف طوافًا لكلٍ منهما، ولكنه لم يتميَّز في الحِسِّ، فعبر عنه الراوي كذلك‏.‏ وبعبارة أخرى هم جعلوا الطواف الواحدَ مسألة، ونحن جعلناه تعبيرًا فقط، لما ثبت عندنا في الخارج تعدد الأطوفة، عمن كان إحرامُه مع إحرامه صلى الله عليه وسلّم ورافَقَه وصاحَبَه، ورأى حَجَّهُ ومناسكه من الأول إلى الآخر‏.‏

والحاصل‏:‏ أن الواحدَ في مقابلة الثاني‏.‏ والمعنى أنه طاف للحج واحدًا، ولم يطف له ثانيًا، وكذلك للعمرة، فطاف لها واحدًا، ولم يطف لها ثانيًا، وحينئذٍ ثبتَ أنه طافَ لهما واحدًا، وليس فيه نفيٌ لطواف العمرة، فإنَّه كان وكان، ولكنه لما لم يتخلل الحِل في البين، لم يتميز أحد الطوافين عن الآخر، وبقي لكل منهما طوافًا طوافًا غير متعيِّن، أيهما لحجه، وأيهما لعمرته، فاحفظه، فإنَّه تليدك مع طارفك‏.‏

باب‏:‏ إِذَا رَمى بَعْدَ ما أَمْسى، أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذبَحَ، نَاسِيًا أَوْ جاهِلا

باب‏:‏ الفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الجَمْرَة

وحاصله‏:‏ أنه أخلّ في الترتيب‏.‏ وقيَّده بالنسيان والجهل، فدل على أنه لو تعمده وجب عليه الجزاء، فوافق أبا حنيفة في بعض الصور‏.‏

وقد مر أن المصنِّف يعتبرُ النسيان والجهلَ عذرًا في كثير من المواضع‏.‏ ثم إنَّ ابن عباس- راوي الحديث- وفتواه موافقٌ لنا، كما أخرجه الطحاوي‏.‏